اختبارات القدرات والاختبارات الشخصية في التوظيف: كيف تستعد لها؟
تصلك رسالة من شركة كبرى تخبرك بأنك اجتزت الفرز الأولي، وتطلب منك إكمال مجموعة من الاختبارات الإلكترونية خلال ثلاثة أيام. فتفتح الرابط دون استعداد، فتجد أمامك أسئلة في سلاسل الأرقام والأشكال والجداول، يتناقص فوقها مؤقت بسرعة مزعجة، ثم استبيانًا طويلًا يسألك عن طريقة تصرفك في مواقف عمل مختلفة. وبعد أسبوع يصلك الاعتذار. ما لم يخبرك به أحد أن هذه الاختبارات ليست اختبارات ذكاء لا يمكن الاستعداد لها، بل اختبارات لها أنماط معروفة، والتدرب عليها يحسن الأداء بشكل ملموس.
في هذا المقال ستتعرف على سبب اعتماد الشركات الكبرى على اختبارات التوظيف، وأنواع اختبارات القدرات الشائعة وما يقيسه كل منها، والاختبارات الشخصية والسلوكية وكيف تتعامل معها بصدق، واختبارات المواقف التي تقيس حكمك في بيئة العمل، ثم خطة عملية للاستعداد، ونصائح يوم الاختبار نفسه.

لماذا تعتمد الشركات على اختبارات التوظيف؟
تستقبل الشركات الكبرى والجهات شبه الحكومية أعدادًا هائلة من الطلبات على الوظيفة الواحدة، خاصة في برامج الخريجين والوظائف المبتدئة، ولا تستطيع مقابلة كل المتقدمين الذين يستوفون الشروط الأساسية. ولذلك تستخدم الاختبارات كمرحلة فرز موضوعية تقيس قدرات المرشحين بطريقة موحدة، قبل أن تستثمر وقت فرقها في المقابلات.
كما تمنح الاختبارات الشركات معلومات لا تكشفها السيرة الذاتية والمقابلة بسهولة، مثل سرعة المرشح في معالجة المعلومات، وقدرته على التفكير المنطقي وتحليل البيانات، وأسلوبه في العمل وتفضيلاته السلوكية. فالسيرة الذاتية تخبر الشركة بما فعله المرشح، والمقابلة تكشف كيف يتحدث عن نفسه، بينما تقيس الاختبارات كيف يفكر ويتصرف تحت ظروف محددة.
ومن المهم أن تعرف أن الاختبارات نادرًا ما تكون العامل الوحيد في قرار التوظيف، فأغلب الشركات تستخدم نتائجها مع السيرة الذاتية والمقابلات وغيرها لتكوين صورة متكاملة عن المرشح، وقد تضع حدًا أدنى للنجاح في الاختبارات للانتقال إلى المرحلة التالية. ولذلك فإن هدفك ليس الحصول على الدرجة الكاملة، بل تجاوز الحد المطلوب بأداء جيد يعكس قدراتك الحقيقية.
اختبارات القدرات: الأنواع الشائعة وما يقيسه كل منها
تتنوع اختبارات القدرات المعرفية المستخدمة في التوظيف، لكن أغلبها يندرج تحت عدة أنواع رئيسية، ولكل نوع منها نمط من الأسئلة يمكن التعرف عليه والتدرب عليه:
اختبارات القدرة العددية: تقيس قدرتك على التعامل مع الأرقام وتفسير البيانات، وتتضمن غالبًا جداول ورسومًا بيانية يطلب منك استخراج معلومات منها أو إجراء عمليات حسابية عليها، مثل النسب المئوية ومعدلات التغير والمقارنات. ولا تحتاج عادة إلى رياضيات متقدمة، لكنها تتطلب السرعة والدقة في الحساب وقراءة البيانات.
اختبارات القدرة اللفظية: تقيس قدرتك على فهم النصوص المكتوبة وتحليلها، وتتضمن غالبًا فقرة قصيرة تليها عبارات يطلب منك تحديد ما إذا كانت صحيحة أو خاطئة أو لا يمكن الحكم عليها من النص. والتحدي الأكبر فيها أن تعتمد فقط على المعلومات الموجودة في النص، وليس على معرفتك السابقة بالموضوع.
اختبارات الاستدلال المنطقي والمجرد: تقيس قدرتك على اكتشاف الأنماط والقواعد في سلاسل من الأشكال أو الرموز، ثم تطبيقها لتحديد الشكل التالي أو الشكل المختلف. وتعد من أكثر الاختبارات إرباكًا لمن يراها لأول مرة، لكنها تعتمد على أنواع محدودة من القواعد يمكن التعود عليها بالتدريب.
اختبارات اللغة الإنجليزية: تستخدمها كثير من الشركات التي تعمل بالإنجليزية لقياس مستوى المرشح في القواعد والمفردات والفهم القرائي، وأحيانًا الكتابة والمحادثة. وقد تكون اختبارًا مستقلًا أو جزءًا من اختبار القدرة اللفظية.
الاختبارات الشخصية والسلوكية: لماذا الصدق هو الاستراتيجية الأفضل؟
تختلف الاختبارات الشخصية عن اختبارات القدرات في أنها لا تحتوي على إجابات صحيحة أو خاطئة بالمعنى التقليدي، بل تقيس سماتك الشخصية وتفضيلاتك وأسلوبك في العمل، مثل طريقة تعاملك مع الآخرين، وأسلوبك في اتخاذ القرارات، وتنظيمك للعمل، وتعاملك مع الضغط والتغيير. وتتكون غالبًا من عبارات يطلب منك تحديد مدى انطباقها عليك، أو مجموعات من العبارات تختار منها الأقرب والأبعد عنك.
ويقع كثير من المرشحين في خطأ محاولة تقديم الصورة التي يظنون أن الشركة تريدها، فيختارون دائمًا الإجابات التي تبدو مثالية، مثل أنهم يحبون العمل الجماعي والفردي بالقدر نفسه، ولا يشعرون بالتوتر أبدًا، ويلتزمون بالمواعيد دائمًا. والمشكلة أن كثيرًا من هذه الاختبارات صممت لاكتشاف هذا السلوك، من خلال طرح السؤال نفسه بصيغ مختلفة في مواضع متفرقة، فتظهر الإجابات المصطنعة نمطًا غير متسق، أو صورة مثالية غير واقعية تثير الشك.
ولذلك فإن الاستراتيجية الأفضل أن تجيب بصدق، مع التفكير في سلوكك في بيئة العمل تحديدًا وليس في حياتك الشخصية، لأن السلوك قد يختلف بين السياقين. وتذكر أن الهدف من الاختبار هو معرفة مدى ملاءمتك للوظيفة وبيئتها، والوظيفة التي لا تناسب شخصيتك الحقيقية قد تجعلك غير سعيد فيها حتى لو حصلت عليها. ولا تبالغ في التفكير في كل عبارة، فالإجابة الأولى التي تخطر في بالك تكون غالبًا الأصدق.
اختبارات المواقف: كيف تقيس الشركة حكمك في العمل؟
تستخدم بعض الشركات نوعًا خاصًا من الاختبارات يعرف باختبارات الحكم على المواقف، وتعرض عليك فيها مواقف واقعية قد تواجهها في الوظيفة، مثل خلاف مع زميل، أو عميل غاضب، أو تعارض بين مهمتين عاجلتين، أو خطأ اكتشفته في عمل سابق، ثم تطلب منك اختيار أفضل تصرف أو أسوأ تصرف من بين عدة خيارات، أو ترتيب الخيارات بحسب ملاءمتها.
وتختلف هذه الاختبارات عن الاختبارات الشخصية في أنها تقيس الحكم المهني وليس السمات الشخصية، وغالبًا ما تكون هناك إجابات تعتبرها الشركة أفضل من غيرها، بناءً على قيمها وثقافتها وطبيعة الوظيفة. ولذلك يفيد أن تتعرف على قيم الشركة المعلنة قبل الاختبار، لأن الخيار الأفضل غالبًا هو الذي يتوافق مع هذه القيم، مثل التركيز على العميل أو العمل الجماعي أو النزاهة أو المبادرة.
وعند الإجابة فكر في التصرف الذي يحل المشكلة بشكل مهني ومسؤول، ويراعي مصلحة العمل والعلاقات في الوقت نفسه، وتجنب الخيارات المتطرفة مثل تجاهل المشكلة تمامًا أو تصعيدها فورًا إلى الإدارة العليا دون محاولة حلها. فالتصرف الأفضل في أغلب المواقف هو الذي يجمع بين المبادرة إلى الحل والتواصل المناسب مع الأطراف المعنية، والتصعيد عند الحاجة فقط.
خطة عملية للاستعداد للاختبارات
يحتاج الاستعداد لاختبارات التوظيف إلى خطة منظمة تبدأ قبل وصول رابط الاختبار بفترة كافية إذا أمكن، لأن التحسن في هذه الاختبارات يأتي من التعود على أنماط الأسئلة وإدارة الوقت، وهذا يحتاج إلى ممارسة متكررة. فابدأ بالتعرف على أنواع الاختبارات التي تستخدمها الشركات في مجالك، فقد تذكرها رسالة الدعوة أو موقع الشركة، أو يمكنك السؤال عنها لمن سبقك في التقديم على الشركة نفسها.
ثم تدرب على نماذج من كل نوع من الاختبارات، فتتوفر على الإنترنت مصادر كثيرة للأسئلة التدريبية المجانية والمدفوعة، وبعض الشركات المطورة لهذه الاختبارات توفر نماذج تدريبية على مواقعها. وابدأ بالتدرب دون وقت لتفهم أنواع الأسئلة وطريقة حلها، ثم انتقل إلى التدرب بوقت محدد يشبه وقت الاختبار الحقيقي، لأن إدارة الوقت تحت الضغط هي التحدي الأكبر في هذه الاختبارات.
وركز في التدريب على الأنواع التي تجد فيها صعوبة أكبر، فإذا كانت الاختبارات العددية نقطة ضعفك، فراجع أساسيات النسب المئوية والكسور والمعدلات وقراءة الجداول والرسوم البيانية، وتدرب على الحساب الذهني السريع. وإذا كانت الاختبارات المنطقية نقطة ضعفك، فتدرب على أنواع القواعد الشائعة في سلاسل الأشكال، مثل الدوران والتكرار والزيادة والنقصان وتغير الألوان والمواقع. وراجع بعد كل اختبار تدريبي الأسئلة التي أخطأت فيها، وافهم سبب الخطأ.
نصائح يوم الاختبار
تؤثر الظروف التي تؤدي فيها الاختبار على نتيجتك أكثر مما تتوقع، خاصة في الاختبارات الإلكترونية التي تؤديها من المنزل، ولذلك اختر وقتًا تكون فيه في أفضل حالاتك الذهنية، بعد نوم كافٍ وليس في نهاية يوم مرهق، ومكانًا هادئًا خاليًا من المقاطعات، مع اتصال إنترنت مستقر وجهاز مشحون. واقرأ تعليمات الاختبار بعناية قبل البدء، لأنها قد تحتوي على معلومات مهمة مثل وجود خصم على الإجابات الخاطئة أو إمكانية العودة إلى الأسئلة السابقة.
وجهز ما قد تحتاج إليه قبل البدء، مثل الآلة الحاسبة والورق والقلم للاختبارات العددية إذا كانت مسموحة، لأن البحث عنها أثناء الاختبار يضيع وقتًا ثمينًا. وتذكر أن أغلب اختبارات القدرات صممت بحيث يصعب إكمال كل أسئلتها في الوقت المحدد، ولذلك لا تتوقف طويلًا عند سؤال صعب، بل انتقل إلى السؤال التالي إذا كان النظام يسمح بذلك، وعد إليه إن بقي وقت.
وإذا كان الاختبار لا يخصم على الإجابات الخاطئة، فلا تترك أي سؤال دون إجابة، وخمن الإجابة الأقرب للأسئلة التي لم تتمكن من حلها في الوقت المتبقي. وكن صادقًا في أداء الاختبار بنفسك دون مساعدة من أحد، فبعض الشركات تعيد اختبار المرشحين في مراحل لاحقة في بيئة مراقبة، والفرق الكبير بين النتيجتين يكشف عدم النزاهة وينهي فرصتك.
الأسئلة الشائعة
هل يمكن إعادة اختبار التوظيف إذا لم أنجح؟
يختلف ذلك من شركة لأخرى، فبعض الشركات تسمح بإعادة الاختبار بعد فترة محددة قد تمتد لأشهر، وبعضها يعتمد نتيجة الاختبار للتقديم على وظائف مختلفة لديها لفترة معينة. ولذلك تعامل مع كل اختبار بجدية كأنه فرصتك الوحيدة، واستعد له جيدًا قبل البدء.
هل الاختبارات الشخصية تحدد قبولي أو رفضي؟
نادرًا ما تكون الاختبارات الشخصية العامل الوحيد في قرار التوظيف، فأغلب الشركات تستخدمها مع المقابلات والاختبارات الأخرى لتكوين صورة متكاملة، وقد تستخدمها لتوجيه أسئلة المقابلة. لكن النتائج غير المتسقة أو المصطنعة قد تثير الشك، ولذلك أجب بصدق.
كم من الوقت أحتاج للاستعداد لاختبارات القدرات؟
يختلف ذلك بحسب مستواك الحالي ونوع الاختبار، لكن التدريب المنتظم لمدة أسبوع أو أسبوعين قبل الاختبار قد يحدث فرقًا ملحوظًا في التعود على أنماط الأسئلة وإدارة الوقت. والأفضل أن تبدأ التدريب قبل التقديم على الشركات التي تعرف أنها تستخدم هذه الاختبارات.
هل يمكنني طلب تسهيلات خاصة في الاختبار؟
إذا كانت لديك حالة صحية أو إعاقة تؤثر على أدائك في الاختبار، فيمكنك التواصل مع الشركة قبل الاختبار وطلب التسهيلات المناسبة، مثل وقت إضافي أو صيغة مختلفة. وتقدم كثير من الشركات هذه التسهيلات لضمان العدالة بين المرشحين.
تعليقات
إرسال تعليق