كيف تختار الوظيفة المناسبة لمؤهلاتك؟
يصل عرض وظيفي بعد أشهر من البحث، فيقبله صاحبه فورًا دون تفكير، ثم يكتشف بعد ثلاثة أشهر أن الوظيفة لا تستخدم شيئًا مما تعلمه، وأن المدير لا يمنحه أي فرصة للتطور، وأن المسار الذي بدأه يبعده عن المجال الذي يحبه. وفي المقابل يرفض آخر عرضًا جيدًا لأنه ينتظر الوظيفة المثالية التي تجمع كل شيء، فتمر سنة كاملة دون عمل. والطريق الصحيح بين هذين الخطأين هو أن تعرف كيف تقيم الوظيفة قبل أن تتقدم إليها، وقبل أن تقبل عرضها.
في هذا المقال ستتعرف على كيفية تقييم مؤهلاتك ومهاراتك واهتماماتك بصدق قبل البحث، وكيف تقرأ وصف الوظيفة لتعرف ما إذا كانت تناسبك فعلًا، وكيف تحدد المستوى الوظيفي المناسب لك دون أن تتقدم لوظائف أكبر أو أصغر من مؤهلاتك، وكيف تقيم بيئة العمل والشركة، ثم المعايير التي تقارن بها بين الفرص المتاحة، وكيف تفكر في الوظيفة بوصفها خطوة في مسار طويل وليست نهاية الطريق.

ابدأ بتقييم نفسك قبل تقييم الوظائف
لا يمكنك أن تعرف ما إذا كانت الوظيفة مناسبة لك قبل أن تعرف نفسك بوضوح، أي ما تملكه من مؤهلات ومهارات، وما تحب أن تفعله، وما الذي يهمك في العمل. ويبدأ هذا التقييم بجرد صادق لمؤهلاتك الرسمية، مثل الدرجة العلمية والتخصص والشهادات المهنية، ثم مهاراتك الفنية التي تتقنها فعلًا وتستطيع إثباتها، وليس تلك التي درستها مرة ثم نسيتها.
بعد ذلك فكر في اهتماماتك وطبيعة العمل الذي يناسب شخصيتك، فبعض الناس يزدهرون في العمل الذي يتطلب التعامل المستمر مع الآخرين، بينما يفضل آخرون العمل الذي يتطلب تركيزًا فرديًا عميقًا، وبعضهم يحب التنوع والتغيير، بينما يرتاح آخرون للروتين والاستقرار. وراجع تجاربك السابقة في الدراسة والتدريب والعمل، ولاحظ المهام التي كنت تستمتع بها وتنجزها بشغف، والمهام التي كانت تستنزف طاقتك.
وحدد كذلك قيمك وأولوياتك في العمل في هذه المرحلة من حياتك، مثل الاستقرار الوظيفي أو الدخل المرتفع أو التعلم السريع أو التوازن بين العمل والحياة أو المكانة أو القرب من الأسرة. فهذه الأولويات تختلف من شخص لآخر، ومن مرحلة لأخرى في حياة الشخص نفسه، والوظيفة المناسبة هي التي تتوافق مع أولوياتك أنت، وليس مع أولويات من حولك.
اقرأ وصف الوظيفة بعين ناقدة
يحتوي وصف الوظيفة على معلومات أكثر مما يظهر في قراءة سريعة، وقراءته بعين ناقدة تساعدك على معرفة ما إذا كانت الوظيفة مناسبة لمؤهلاتك واهتماماتك قبل أن تستثمر وقتك في التقديم. ويمكنك تحليل الوصف من خلال عدة جوانب:
ميز بين الشروط الأساسية والمفضلة: تحتوي أغلب الإعلانات على شروط أساسية لا يمكن تجاوزها، مثل المؤهل أو الترخيص المهني، وشروط مفضلة تصف المرشح المثالي، وتظهر عادة بعبارات مثل يفضل أو ميزة إضافية. فإذا كنت تستوفي الشروط الأساسية وأغلب المفضلة، فالوظيفة مناسبة لمؤهلاتك.
ركز على المهام اليومية الفعلية: اقرأ قسم المسؤوليات بعناية، وتخيل نفسك تؤدي هذه المهام يومًا بعد يوم لأشهر، واسأل نفسك هل تستمتع بها أم ستشعر بالملل أو الإرهاق. فالمسمى الجذاب قد يخفي مهامًا لا تناسبك، والعكس صحيح.
لاحظ نسبة ما تعرفه إلى ما ستتعلمه: الوظيفة المثالية للتطور هي التي تستخدم جزءًا كبيرًا من مهاراتك الحالية، وتتطلب منك في الوقت نفسه تعلم مهارات جديدة. فالوظيفة التي تعرف كل ما فيها قد تصبح مملة بسرعة، والوظيفة التي لا تعرف أغلب ما فيها قد تضعك تحت ضغط كبير.
ابحث عن المؤشرات الخفية: قد يكشف الوصف عن معلومات مهمة بشكل غير مباشر، مثل كثرة المهام المتنوعة جدًا التي قد تشير إلى نقص في عدد الموظفين، أو عبارات مثل العمل تحت ضغط مستمر، أو مرونة في ساعات العمل التي قد تعني ساعات إضافية متكررة. وهذه المؤشرات لا تعني رفض الوظيفة بالضرورة، لكنها تستحق السؤال عنها في المقابلة.
حدد المستوى الوظيفي المناسب لك
يعد التقديم على مستوى وظيفي غير مناسب من الأخطاء الشائعة التي تؤدي إلى الرفض أو إلى الوظيفة الخطأ، ويحدث ذلك في اتجاهين، فبعض المرشحين يتقدمون إلى وظائف أعلى بكثير من خبرتهم، مثل خريج حديث يتقدم إلى وظيفة مشرف، أو صاحب خبرة سنتين يتقدم إلى وظيفة مدير، فيرفضون غالبًا لنقص الخبرة، وإذا قبلوا قد يجدون أنفسهم في موقف يفوق قدراتهم ويضر بمسارهم.
وفي الاتجاه المعاكس يتقدم بعض أصحاب الخبرة إلى وظائف أقل بكثير من مستواهم، إما بسبب طول فترة البحث أو الرغبة في وظيفة أقل ضغطًا، فيواجهون الرفض بسبب ما يسميه مسؤولو التوظيف الإفراط في المؤهلات، لأن صاحب العمل يخشى أن يشعر المرشح بالملل ويغادر سريعًا عند أول فرصة أفضل، أو أن يطلب راتبًا لا يتناسب مع نطاق الوظيفة.
والقاعدة المفيدة أن تستهدف الوظائف التي تطابق مستواك الحالي أو تعلوه بخطوة واحدة فقط، فالخطوة الواحدة تمنحك فرصة للتطور دون أن تكون بعيدة جدًا عن متطلبات الوظيفة. وإذا كنت ترغب في التقدم لوظيفة أقل من مستواك لسبب واضح، مثل تغيير المجال أو الانتقال إلى شركة كبرى أو تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة، فوضح هذا السبب بصراحة في رسالة التقديم والمقابلة، حتى يفهم صاحب العمل دوافعك.
قيّم بيئة العمل والشركة
لا تقتصر ملاءمة الوظيفة على مهامها ومتطلباتها، بل تشمل بيئة العمل والشركة التي ستقضي فيها جزءًا كبيرًا من وقتك، فالوظيفة الممتازة في بيئة سيئة قد تصبح تجربة مرهقة، والوظيفة العادية في بيئة داعمة قد تصبح نقطة انطلاق قوية. وأول ما يجب أن تقيمه سمعة الشركة واستقرارها، من خلال البحث عن أخبارها ووضعها في السوق وتعليقات موظفيها الحاليين والسابقين في مواقع تقييم الشركات، مع الحذر من الاعتماد على تعليق واحد سلبي أو إيجابي.
ومن أهم عناصر بيئة العمل المدير المباشر، فكثير من الموظفين يتركون مديريهم وليس شركاتهم، والمدير الذي يدعم فريقه ويمنحهم فرص التعلم والمسؤولية يصنع فرقًا كبيرًا في تجربتك. ولذلك استغل المقابلة لتتعرف على مديرك المحتمل، واسأله عن أسلوبه في الإدارة وكيف يدعم تطور فريقه، ولاحظ طريقة تعامله معك خلال المقابلة.
واسأل كذلك عن ثقافة العمل وطبيعتها، مثل ساعات العمل الفعلية وليست المكتوبة فقط، ومدى المرونة في العمل، وطريقة اتخاذ القرارات، وفرص التدريب والتطوير، ومعدل دوران الموظفين في القسم. ويمكنك التواصل مع موظفين حاليين أو سابقين في الشركة عبر لينكدإن للسؤال عن تجربتهم، فالمعلومة من داخل الشركة أدق من أي إعلان.
قارن بين الفرص بمعايير واضحة
عندما تكون أمامك أكثر من فرصة، أو عندما تقرر ما إذا كنت ستقبل عرضًا معينًا أم تنتظر غيره، فإن المقارنة العشوائية القائمة على الشعور قد تقودك إلى قرار تندم عليه، بينما المقارنة القائمة على معايير واضحة تساعدك على اتخاذ قرار مدروس. وابدأ بتحديد المعايير المهمة لك، مثل ملاءمة المهام لمهاراتك واهتماماتك، وفرص التعلم والتطور، والراتب والمزايا الإجمالية، والاستقرار الوظيفي، وسمعة الشركة، وجودة المدير والفريق، والموقع وساعات العمل والتوازن بين العمل والحياة.
ثم أعط كل معيار وزنًا بحسب أهميته لك في هذه المرحلة، فقد يكون التعلم أهم معيار لخريج جديد، بينما يكون الاستقرار والراتب أهم لشخص يعيل أسرة، ثم قيم كل فرصة على كل معيار. وهذه الطريقة البسيطة تكشف لك أحيانًا أن الفرصة التي بدت أفضل بسبب الراتب الأعلى قد تكون أقل ملاءمة لك عند النظر إلى المعايير الأخرى، أو العكس.
ولا تنس أن تقارن الراتب بشكل شامل، فالراتب الإجمالي وحده لا يكفي، بل يجب النظر إلى مكوناته والبدلات والتأمين الطبي والمكافآت والإجازات وتكلفة التنقل، وقد تناولنا التفاوض على الراتب في مقال مستقل. وتذكر أن الحدس له دور أيضًا، فإذا كانت كل المعايير تشير إلى فرصة معينة لكنك تشعر بقلق تجاهها، فحاول أن تعرف مصدر هذا القلق قبل أن تقرر.
فكر في الوظيفة بوصفها خطوة في مسار طويل
من الأخطاء الشائعة أن ينظر الباحث إلى الوظيفة التي يختارها على أنها قرار نهائي يحدد مستقبله كاملًا، فيتردد طويلًا خوفًا من الاختيار الخطأ، أو يرفض فرصًا جيدة انتظارًا للوظيفة المثالية. والحقيقة أن المسار المهني لأغلب الناس يتكون من سلسلة من الوظائف، وكل وظيفة خطوة تضيف خبرة ومهارات وعلاقات تفتح أبوابًا للخطوة التالية.
ولذلك اسأل نفسك عند تقييم أي وظيفة: إلى أين يمكن أن تقودني هذه الوظيفة بعد سنتين أو ثلاث سنوات؟ وما المهارات والخبرات التي سأكتسبها منها، وهل ستجعلني مرشحًا أقوى للوظيفة التي أحلم بها لاحقًا؟ فالوظيفة التي تبدو متواضعة اليوم قد تكون الخطوة الأذكى إذا كانت تمنحك خبرة في مجال مطلوب، أو اسم شركة معروفة في سيرتك، أو مهارة نادرة.
وفي المقابل لا تبالغ في انتظار الوظيفة المثالية التي تجمع كل ما تريده، لأنها نادرًا ما توجد، والانتظار الطويل دون عمل قد يضعف موقفك ويجعل فجوة في سيرتك يصعب تفسيرها. فقبول وظيفة جيدة الآن والعمل فيها بجدية، مع الاستمرار في تطوير نفسك والبحث عن الخطوة التالية، أفضل غالبًا من البقاء دون عمل في انتظار فرصة قد لا تأتي.
الأسئلة الشائعة
هل أقبل وظيفة خارج تخصصي؟
يعتمد ذلك على ما ستضيفه لك الوظيفة، فإذا كانت تمنحك مهارات قابلة للنقل مثل التواصل أو الإدارة أو التحليل، أو تفتح لك بابًا لمجال جديد تهتم به، فقد تكون خطوة جيدة. لكن إذا كنت ترغب في العودة إلى تخصصك لاحقًا، فاحرص على الاستمرار في تطوير مهاراتك فيه حتى لا تبتعد عنه كثيرًا.
كيف أعرف أن الشركة مناسبة قبل أن أعمل فيها؟
يمكنك تكوين صورة جيدة من خلال البحث عن الشركة وأخبارها، وقراءة تقييمات الموظفين في المواقع المتخصصة، والتواصل مع موظفين حاليين أو سابقين، وطرح أسئلة محددة في المقابلة عن بيئة العمل وأسلوب الإدارة. ولاحظ كذلك كيف تتعامل معك الشركة خلال عملية التوظيف نفسها، فهي مؤشر على طريقة تعاملها مع موظفيها.
هل أفضل الراتب الأعلى أم فرص التعلم؟
لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع، لكن فرص التعلم في بداية المسار المهني تحقق غالبًا عائدًا أكبر على المدى البعيد، لأنها ترفع قيمتك في السوق وتمكنك من الحصول على رواتب أعلى لاحقًا. أما إذا كانت لديك التزامات مالية ضرورية، فقد يكون الراتب أولوية مشروعة، مع البحث عن فرص التعلم داخل الوظيفة نفسها.
ماذا أفعل إذا اكتشفت أن الوظيفة غير مناسبة بعد قبولها؟
امنح نفسك والوظيفة فترة كافية قبل الحكم النهائي، لأن الأشهر الأولى في أي وظيفة تكون صعبة عادة. فإذا تأكدت أنها غير مناسبة، فتحدث مع مديرك عن إمكانية تعديل مهامك أو الانتقال داخليًا، وإن لم يكن ذلك ممكنًا فابدأ البحث عن وظيفة جديدة وأنت ما زلت تعمل، مع الالتزام بفترة الإشعار التي ينص عليها عقدك.
تعليقات
إرسال تعليق