مراكز التقييم في الشركات الكبرى: ماذا يحدث فيها وكيف تتميز؟

 

تتلقى دعوة لحضور ما تسميه الشركة يوم التقييم، فتتوقع مقابلة عادية، ثم تجد نفسك في قاعة مع عشرة مرشحين آخرين، يراقبكم عدد من المقيمين يحملون أوراقًا ويكتبون ملاحظات، ويطلب منكم مناقشة مشكلة والوصول إلى قرار جماعي خلال ثلاثين دقيقة. ثم يأتي تمرين آخر تتلقى فيه ملفًا مليئًا بالرسائل والمهام المتراكمة وعليك ترتيبها، ثم عرض تقديمي أمام لجنة، ثم مقابلة فردية. وتخرج في نهاية اليوم مرهقًا لا تعرف كيف كان أداؤك، لأنك لم تكن تعرف ما الذي يقيسه كل تمرين.

في هذا المقال ستتعرف على مراكز التقييم وسبب اعتماد الشركات الكبرى عليها، والتمارين الأكثر شيوعًا فيها وما يقيسه كل منها، بدءًا من التمرين الجماعي، مرورًا بتمرين صندوق المهام ودراسة الحالة والعرض التقديمي، وصولًا إلى ما يلاحظه المقيمون خارج التمارين، ثم كيف تستعد ليوم التقييم وتتعامل معه.

ما هو مركز التقييم ولماذا تعتمد عليه الشركات الكبرى؟

مركز التقييم ليس مكانًا بالمعنى الحرفي، بل أسلوب في اختيار المرشحين يجمع عدة تمارين وأدوات تقييم في يوم واحد أو نصف يوم، يشارك فيه عادة عدد من المرشحين في الوقت نفسه، ويراقبهم عدد من المقيمين المدربين، يسجل كل منهم ملاحظاته على سلوكيات محددة. ويستخدم هذا الأسلوب غالبًا في برامج الخريجين في الشركات الكبرى، وفي الوظائف الإشرافية والقيادية، وفي بعض الجهات الحكومية وشبه الحكومية.

وتعتمد الشركات على مراكز التقييم لأنها تمنحها صورة أدق عن المرشح من المقابلة وحدها، فالمقابلة تكشف كيف يتحدث المرشح عن نفسه وعن تصرفاته في الماضي، بينما تكشف التمارين كيف يتصرف فعلًا في مواقف تشبه مواقف العمل الحقيقية. فالمرشح الذي يقول في المقابلة إنه قائد ومتعاون، يظهر في التمرين الجماعي ما إذا كان كذلك فعلًا أم لا.

ويعتمد تقييم المرشحين في هذه المراكز على مجموعة من الكفاءات التي تحددها الشركة مسبقًا بحسب الوظيفة وقيمها، مثل التواصل والعمل الجماعي والقيادة وحل المشكلات والتفكير التحليلي والتخطيط والتنظيم والتوجه نحو العميل. ويقيس كل تمرين عددًا من هذه الكفاءات، ثم يجتمع المقيمون في نهاية اليوم لمناقشة ملاحظاتهم والوصول إلى تقييم نهائي لكل مرشح. ومعرفة هذه الكفاءات تساعدك على فهم ما يبحث عنه المقيمون.

التمرين الجماعي: ليس الأعلى صوتًا هو الفائز

يعد التمرين الجماعي من أكثر تمارين مراكز التقييم شيوعًا، وأكثرها إثارة للقلق، ويضع فيه المقيمون مجموعة من المرشحين أمام مشكلة أو موقف يتطلب نقاشًا والوصول إلى قرار أو توصية مشتركة خلال وقت محدد، مثل اختيار موقع لفرع جديد من بين عدة خيارات، أو توزيع ميزانية محدودة على مشاريع متنافسة. وأحيانًا يمنح كل مرشح دورًا أو معلومات مختلفة عن الآخرين.

ويخطئ كثير من المرشحين حين يظنون أن الهدف من التمرين أن يفرضوا رأيهم أو يتحدثوا أكثر من غيرهم، فيقاطعون الآخرين ويرفعون أصواتهم ويحاولون الهيمنة على النقاش، وهذا السلوك يقيم غالبًا بشكل سلبي، لأن المقيمين يبحثون عن القدرة على العمل مع الآخرين وليس التغلب عليهم. وفي المقابل يخطئ آخرون بالصمت التام خوفًا من الخطأ، فلا يجد المقيمون ما يقيمونه عليه. ولتحقيق التوازن الصحيح يمكنك الاعتماد على السلوكيات التالية:

  • ساهم بأفكار واضحة في الوقت المناسب: شارك برأيك بشكل مختصر ومدعوم بأسباب، واستند إلى المعلومات المعطاة في التمرين، دون أن تكرر ما قاله غيرك. والمساهمة النوعية أهم من عدد المرات التي تتحدث فيها.

  • استمع للآخرين وابن على أفكارهم: أظهر أنك تستمع فعلًا بالإشارة إلى ما قاله زملاؤك وتطويره أو ربطه بأفكار أخرى، كأن تقول إن فكرة زميل يمكن أن تتكامل مع فكرة آخر. وهذا السلوك يظهر روح العمل الجماعي التي يبحث عنها المقيمون.

  • ساعد المجموعة على التقدم: يمكنك أن تؤدي دورًا قياديًا دون أن تهيمن، مثل اقتراح طريقة لتنظيم النقاش، أو تذكير المجموعة بالوقت المتبقي، أو تلخيص ما تم الاتفاق عليه، أو دعوة زميل صامت إلى المشاركة. فهذه السلوكيات تظهر القيادة الحقيقية.

  • ركز على الوصول إلى نتيجة: تذكر أن المطلوب قرار أو توصية في نهاية الوقت، والمجموعة التي تنتهي دون قرار تفشل في التمرين كاملًا. ولذلك ساعد على تحويل النقاش إلى قرار، حتى لو اضطررت إلى التنازل عن جزء من رأيك.

تمرين صندوق المهام: اختبار الأولويات تحت الضغط

يحاكي تمرين صندوق المهام موقفًا شائعًا في الحياة المهنية، فتعطى فيه مجموعة كبيرة من الرسائل والمذكرات والمهام والطلبات المتراكمة، كأنك عدت إلى مكتبك بعد إجازة، أو تسلمت وظيفة جديدة فجأة، ويطلب منك خلال وقت محدد أن تقرر كيف ستتعامل مع كل منها، أي ما الذي ستفعله أولًا، وما الذي ستفوضه، وما الذي ستؤجله، وما الذي ستتجاهله، مع كتابة ردود أو ملاحظات على بعضها.

ويقيس هذا التمرين قدرتك على ترتيب الأولويات وإدارة الوقت واتخاذ القرارات تحت الضغط، وفهم الصورة الكاملة وربط المعلومات المتفرقة ببعضها، والتفويض المناسب. ومن الأخطاء الشائعة فيه أن يبدأ المرشح في التعامل مع المهام بالترتيب الذي جاءت به، دون أن يقرأها كلها أولًا، فيكتشف متأخرًا أن مهمة مهمة جدًا كانت في آخر الملف، أو أن معلومة في رسالة متأخرة تغير طريقة التعامل مع رسالة سابقة.

ولذلك ابدأ بقراءة سريعة لكل المحتويات قبل أن تتخذ أي قرار، ثم صنف المهام بحسب أهميتها وإلحاحها، وابحث عن الروابط بينها، فقد تجد أن عدة رسائل تتعلق بالمشكلة نفسها، أو أن هناك تعارضًا في المواعيد يحتاج إلى حل. واكتب بإيجاز سبب كل قرار تتخذه، لأن المقيمين يهتمون بطريقة تفكيرك بقدر اهتمامهم بالقرار نفسه، وقد يسألونك عنها في نقاش بعد التمرين.

دراسة الحالة والعرض التقديمي

تعرض عليك في تمرين دراسة الحالة مشكلة عمل واقعية أو شبه واقعية، مع مجموعة من المعلومات والبيانات مثل التقارير والأرقام والرسائل، ويطلب منك تحليلها والوصول إلى توصيات، وتقديمها كتابيًا أو شفهيًا أمام لجنة، وغالبًا ما يرتبط بالتمرين عرض تقديمي قصير تليه أسئلة. ويقيس هذا التمرين التفكير التحليلي وحل المشكلات واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، ومهارات العرض والإقناع.

وأفضل طريقة للتعامل مع دراسة الحالة أن تبدأ بفهم المطلوب بدقة، ثم تقرأ المعلومات وتحدد المشكلة الأساسية وليس أعراضها فقط، ثم تحلل البيانات المتاحة وتستخرج منها ما يدعم استنتاجاتك، ثم تقترح خيارات للحل وتقيم كلًا منها من حيث الإيجابيات والسلبيات والمخاطر، ثم تختار توصية واضحة وتدعمها بالأسباب. ولا يشترط أن تصل إلى الإجابة الصحيحة الوحيدة، فكثير من دراسات الحالة ليس لها إجابة واحدة، والأهم أن يكون تفكيرك منطقيًا ومنظمًا ومدعومًا بالمعلومات.

أما العرض التقديمي فاجعله منظمًا وواضحًا، يبدأ بملخص التوصية، ثم الأسباب الداعمة، ثم الخطوات المقترحة للتنفيذ والمخاطر، والتزم بالوقت المحدد بدقة، لأن تجاوزه يترك انطباعًا سلبيًا. وتحدث بثقة ووضوح، وانظر إلى أعضاء اللجنة، وتعامل مع أسئلتهم بهدوء، حتى الأسئلة التي تتحدى توصيتك، فالمقيمون قد يتعمدون الضغط عليك ليروا كيف تدافع عن رأيك أو تعدله بناءً على معلومات جديدة دون أن تنفعل.

ما يلاحظه المقيمون خارج التمارين

يظن كثير من المرشحين أن التقييم يقتصر على التمارين الرسمية، فيسترخون في فترات الاستراحة والغداء والانتقال بين التمارين، ويتصرفون بطريقة مختلفة عما يظهرونه أمام المقيمين. لكن في كثير من مراكز التقييم يكون المقيمون أو موظفو الشركة حاضرين في هذه الفترات أيضًا، وقد يلاحظون طريقة تعاملك مع المرشحين الآخرين والموظفين، حتى لو لم يكن ذلك جزءًا رسميًا من التقييم.

ولذلك تعامل مع اليوم كاملًا بوصفه فرصة لإظهار شخصيتك المهنية، فتعامل بلطف واحترام مع كل من تقابله، بمن فيهم موظفو الاستقبال والمرشحون المنافسون، وشارك في الأحاديث الجانبية بشكل طبيعي ومهني، وتجنب الحديث السلبي عن الشركة أو التمارين أو المرشحين الآخرين. ولا تتعامل مع المرشحين الآخرين بوصفهم أعداء، فمراكز التقييم لا تعمل غالبًا بنظام المنافسة المباشرة، وقد تختار الشركة أكثر من مرشح من المجموعة نفسها إذا استوفوا المعايير.

ومن المفيد كذلك أن تستغل فرص التواصل مع موظفي الشركة الحاضرين، مثل لقاءات التعارف أو جلسات الأسئلة التي تنظمها بعض الشركات، لأنها تمنحك معلومات عن الشركة والوظيفة، وتظهر اهتمامك الحقيقي. واطرح أسئلة ذكية تعكس بحثك عن الشركة، كما تفعل في نهاية المقابلة الشخصية.

كيف تستعد ليوم التقييم؟

يبدأ الاستعداد لمركز التقييم قبل اليوم نفسه بفترة كافية، وأول خطوة أن تقرأ رسالة الدعوة بعناية، فقد تذكر التمارين التي ستتضمنها، أو تطلب منك تحضير عرض تقديمي مسبقًا، أو تحدد مدة اليوم والمكان والملابس المناسبة. وإذا لم تذكر الرسالة تفاصيل كافية، فلا تتردد في التواصل مع منسق التوظيف للسؤال عن طبيعة اليوم، فهذا سؤال طبيعي ومقبول.

ثم ابحث عن الشركة بعمق، وتعرف على قيمها المعلنة والكفاءات التي تركز عليها، لأن التمارين والتقييم يرتبطان بها غالبًا، كما يفيد أن تبحث عن تجارب المرشحين السابقين في مراكز التقييم لدى الشركة نفسها إن وجدت. وتدرب على أنواع التمارين الشائعة، مثل حل دراسات حالة مع أصدقائك، وتقديم عروض قصيرة وتلقي الأسئلة عليها، والمشاركة في نقاشات جماعية حول مشكلات مهنية.

وفي اليوم السابق احرص على النوم الكافي، لأن يوم التقييم طويل ومرهق ويحتاج إلى تركيز متواصل لساعات، وجهز ملابسك ومستنداتك وأي مواد مطلوبة، وتأكد من طريقة الوصول إلى المكان. وفي يوم التقييم تناول إفطارًا جيدًا، واصل مبكرًا، وكن على طبيعتك، فالمقيمون يبحثون عن الشخص الذي سيعمل معهم فعلًا، ومحاولة تمثيل شخصية مختلفة تحت ضغط ساعات طويلة تنكشف غالبًا. وإذا شعرت بأنك أخطأت في تمرين، فلا تدع ذلك يؤثر على أدائك في التمارين التالية، لأن التقييم النهائي يعتمد على الأداء الكلي.

الأسئلة الشائعة

كم يستغرق مركز التقييم عادة؟

يختلف ذلك بحسب الشركة والوظيفة، لكن أغلب مراكز التقييم تستغرق من نصف يوم إلى يوم كامل، وقد تمتد في بعض البرامج إلى أكثر من يوم. وتقام بعض مراكز التقييم إلكترونيًا عن بعد، بتمارين مشابهة تؤدى عبر الاجتماعات المرئية.

هل يتنافس المرشحون في مركز التقييم مع بعضهم؟

لا تعمل أغلب مراكز التقييم بنظام المنافسة المباشرة، بل يقيم كل مرشح بحسب معايير محددة مسبقًا، وقد تختار الشركة عددًا من المرشحين من المجموعة نفسها أو لا تختار أحدًا منها. ولذلك فإن التعاون مع الآخرين في التمارين الجماعية يخدمك أكثر من محاولة التفوق عليهم.

ماذا أرتدي في يوم التقييم؟

ارتد ملابس رسمية مرتبة ومريحة تناسب طبيعة الشركة والقطاع، كما تفعل في المقابلة الشخصية، مع مراعاة أن اليوم طويل وقد يتضمن حركة وانتقالًا بين القاعات. وإذا حددت رسالة الدعوة طبيعة الملابس، فالتزم بما ذكرته.

هل أحصل على ملاحظات بعد مركز التقييم؟

تقدم بعض الشركات ملاحظات للمرشحين بعد مركز التقييم، خاصة لمن وصلوا إلى مراحل متقدمة، بينما تكتفي شركات أخرى بإبلاغ النتيجة. ويمكنك أن تطلب الملاحظات بأدب، فهي مفيدة جدًا لتحسين أدائك في مراكز التقييم القادمة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبرز التخصصات المطلوبة في رؤية السعودية 2030: المهارات التي تبحث عنها الشركات الكبرى

كيف تختار الوظيفة المناسبة لمؤهلاتك؟

كيف تبني شبكة علاقات مهنية وأنت حديث التخرج؟